نظرة تاريخية موجزة عن الحق في الوصول للمعلومات

الحق في الوصول للمعلومات في لبنان

منذ بداية الإنسان ونشأة المجتمعات، فَرضت الحاجة وجود تنظيم معيَّن لحُكم العلاقات بين الأفراد والجماعات. تطور هذا التنظيم من مبدأ الحُكم للقوي على الضعيف إلى أنْ وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم من حُكم القانون. لكن حُكم القانون ليس دائماً في صالح الإنسان فلطالما قامت دكتاتوريات على الدستور والقانون، وكان فيهم انتهاكٌ صارخ لحقوق الإنسان والأمثلة على ذلك كثيرةٌ تاريخيّاً.
تعدَّدت النظريات والآراء الفقهيَّة حول أنظمة الحكم فمنها من أخذ بالنظام الملكي، ومنها من قال بالجمهوري وآخرٌ بالفيدرالي…، إلَّأ أنَّهُ الأكيد بأنَّ كل هذه النظريات دفعت عبر التاريخ بشكل أو بآخر باتِّجاه التقييد من حكم الشخص الواحد إلى أن وصلنا للفصل بين السلطات والأنظمة الديمقراطيَّة التي أضحت تقومُ على احترام وضمان حقوق الإنسان وفي صلبها أنَّ الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة في الدولة. وليمارس الشعب سلطته في إفراز سلطة تمثله كان الواجب إيجاد الوسائل اللازمة لذلك كالانتخابات الدورية. إلَّا أنَّ هذا الحق في إيجاد سلطة ممثلة للشعب ليس كافٍ وحده، فيجب أن يترافق مع قدرة الشعب على مساءلة ومحاسبة ممثليه، فلا يجوز أن يُترك من يمثل الشعب مع وكالة مطلقةْ الصلاحية.
من هنا كان وُجوب أن تترافق قدرة الشعب على اختيار ممثليه مع مفاهيم الشفافيَّة التي لا يمكن أن تتحقَّق من دون القدرة على الولوج الحُرّْ للمعلومات، كي يتسنى لمن أوصل أصحاب السلطة إلى مواقعهم مراقبة عملهم ومحاسبتهم عليه. فالحق في الوصول للمعلومات من أهم الطرق التي عبْرها يستطيع أي شخص أن يراقب عمل السلطات والإدارات العامة فتستقيم معه الحياة الديمقراطيَّة ضمن الدولة.

دولياً

تُعرِّف الأمم المتحدة الحق في الوصول للمعلومات على أنَّهُ «الحق في الوصول إلى المعلومات التي تحتفظ بها الهيئات العامة، وأنَّهُ جزء لا يتجزأ من حق أساسي هو الحق في حرية التعبير». إنَّ هذا التعريف لم ينشئ الحق بل كَشفَ عنه، ويعود أول اعتراف بهذا الحق إلى 02/12/1766 عندما قام ملك السويد بإصدار مرسوم يتعلق بحريَّة الكتابة والصحافة يُزيل العوائق الرقابية من قبل الدولة على هاتين المهنتين، ويعطي الحق للمواطنين بالاطلاع على الوثائق الحكوميَّة التي أزال عنها الصفة السرية. بعد ذلك جاءت الثورة الفرنسية وبتاريخ 1789/08/26 أقرَّت الجمعيَّة الوطنيَّة التأسيسيَّة للثورة إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي ضمنَ حق للفرنسيين في المادة 14 منه وهوالتحقّق من الضريبة العامة ومراقبة توظيفها، إن هذا الاعتراف وإن أقرَّ فقط حق الاطلاع في ما يخص الضرائب إلا أنَّه أسَّس لمرحلة جديدة يكون فيها للمواطنين حق الاطلاع على المعلومات. وفي 31/01/1795 سار الهولنديون على خُطى الفرنسيين فأصدروا إعلان حقوق الإنسان والمواطن الخاص فيهم الذي أقرَّ حق المواطنين في الاطلاع على عمل الإدارات العامَّة ومحاسبتها. رغم أهميَّة ما قدّمته هذه الإعلانات، إلَّا أنَّ نطاق تطبيقها كان يقتصر فقط على الأقاليم الجغرافيَّة التابعة لدولها.
ومع إنشاء الأمم المتحدة أقرَّت الجمعية العامة للأخيرة بأنَّ حريَّة المعلومات هي حق أساسي من حقوق الإنسان وهي أساس كل الحريات التي تكرس الأمم المتحدة نفسها لها، بعد ذلك جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرَّ الحق لكل شخص «التمتع بحريَّة الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريَّته في اعتناق الآراء دون مضايقة، والتماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأيَّة وسيلة ودونما اعتبار للحدود»، وهذا من شأنه ضمان حقوق الأفراد في الوصول والاطلاع على المعلومات ومداولتها من دون التعرِّض لأي نوع من المضايقات من قبل السلطات العامة.

وفي العام 1966 جاء العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة ليُأكد على ما جاء في الإعان العالمي لحقوق الإنسان عبر النص على أنَّهُ «لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها» إلَّا أنَّ هذا الحق لم يكن مطلقاً فأضاف أنَّهُ يجوز استثناءً تقييد هذا الحق احتراماً لحقوق الآخرين.أو حمايةً للأمن القومي والأمن العام(6) وفي «قمَّة الأرض» في ريو دي جانيرو بتاريخ 14/06/1992، جاء «إعان ريو» يدعو الدول إلى تسهيل وتشجيع الوعي ومشاركة الأفراد من خلال تسهيل الوصول إلى المعلومات البيئيَّة لدى الجهات العامَّة.

وضمن إطار عمل الأمم المتحدة لتعزيزالشفافية ومكافحة الفساد أقرَّت جمعيتها العامّة اتفاقيَّة مكافحة الفساد بتاريخ 2003/10/23 حثَّت فيها الدول الأطراف على ترسيخ سياسات فعالة لمكافحة الفساد وتعزيز مشاركة المجتمع وتجسيد مبادئ النزاهة والشفافيَّة والمساءلة باتخاذ ما قد يلزم من تدابير لتعزيز الشفافيَّة في الإدارات العموميَّة، ومن هذه التدابير اعتماد إجراءات أو لوائح تُمَكِّن عامة الناس من الحصول على معلومات عن كيفيَّة تنظيم إداراتها العموميَّة، عملها، وعمليات اتخاذ القرارات فيها وعن القرارات والصكوك القانونيَّة التي تهمهم، واتخاذ تدابير مناسبة لتشجيع الأفراد والجماعات كالمجتمع الأهلي والمنظمات غيرالحكوميَّة على المشاركة في منع الفساد ومحاربته، ولإذكاء وعي الناس فيما يتعلق بوجود الفساد وأسبابه وما يمثله من خطر، وكيفيَّة تدعيم هذه المشاركة عبر تعزيز الشفافيَّة في عمليات اتخاذ القرار وتشجيع إسهام الناس فيها وضمان تيسير حصول الناس فعليَّاً على المعلومات.

وفي مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة المنعقد في ريو بتاريخ 2012/06/22، أقرَّ المجتمعون وثيقة ختاميَّة تحت عنوان «المستقبل الذي نصبو إليه» تم التشديد من خلالها على «إشراك المواطنين والجهات المعنيَّة في تلك العمليَّة وموافاتهم بمعلومات وجيهة، حسب الاقتضاء، بشأن أبعاد التنميَّة المستدامة الثلاثة» والتأكيد على أنَّ «مشاركة الجمهور على نطاق واسع وإتاحة إمكانيَّة الحصول على المعلومات واللجوء إلى الإجراءات القضائيَّة والإداريَّة للجميع أمران أساسيَّان في النهوض بالتنمية المستدامة» والتنويه بدور المجتمع المدني والإقرار «بأهميَّة تمكين كافَّة أفراده من المشاركة بهمة في تحقيق التنمية المستدامة» كما والإقرار بأنَّ «مشاركة المجتمع المدني على نحو أفضل في تلك العمليَّة يتوقف، في جملة أمور، على تعزيز إمكانيَّة الحصول على المعلومات وبناء قدرته وتهيئة بيئة مؤاتية لذلك».

أمَّا عربيّاً فقد أقرَّ مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة بتاريخ 2004/05/23 الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي تطرق إلى الحق في الوصول للمعلومات فاستنسخ ما جاء في الإعان العالمي لحقوق الإنسان مع بعض التعديل فقد ضَمن حق الأفراد في الإعلام وحريَّة الرأي والتعبير، بالإضافة إلى حق استقاء الاخبار والأفكار، وفي استثناء على إطلاق هذا الحق قيَّده لحماية حقوق الآخرين أو حمايةً للأمن القومي أو الأمن العام.

أوجَزنا في ما تقدَّم عرضاً لأهم الوثائق التي مرَّت عبر التاريخ وكانت قد أسَّسَت للحق في الوصول للمعلومات وعززته كحق من حقوق الإنسان. فقد رأينا كيف أنَّهُ في السويد تم التعرض لهذا الحق في معرض فك الرقابة عن مهنتي الكتابة والصحافة إلى أن وصلنا في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لاعتبار الوصول للمعلومات كحق أساسي من حقوق الإنسان. وفي إزاء هذا التطور بدأت الدول تعترف شيئاً فشيئاً بهذا الحق ففي العام 1990 كان هنالك ثلاثة عشر دولة فقط قد أقرَّت قوانين وطنية للحق في الوصول للمعلومات، أمَّا اليوم فهنالك أكثر من تسعون دولة قد تبنت قوانين مماثلة.

في لبنان

أمَّا في لبنان، فلم يكن الحق في الوصول للمعلومات معْرِضَ بحثٍ إلَّا مع تنامي الحراك العالمي نحو الدفع إلى تبني قوانين وطنيَّة في مختلف الدول لضمان هذا الحق، وقد ترافق هذا الحراك مع نشاط هيئات المجتمع المدني اللبناني للدَّفع في ذات الاتجاه. وبالفعل فقد تم التقدم باقتراح قانون الحق في الوصول للمعلومات لدى المجلس النيابي اللبناني في العام 2009، لكن لم تتم مناقشته داخل لجنة الإدارة والعدل في المجلس حتى العام 2012، وكانت الهيئة العامة للمجلس قد أقرَّت هذا القانون تحت رقم 28 بتاريخ 10/02/2017.

أساس التزام الدولة اللبنانيَّة:
لكنَّ هذا القانون ليس وحده الذي يضمن هذا الحق، فالدولة اللبنانيَّة لديها التزامات دوليَّة عدة، وهذه الالتزامات تضمن وتحمي الحق في الوصول للمعلومات. فلبنان كان قد وقَّع في العام 1948 على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وقد انضم بتاريخ 1972/11/03 للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة. بالإضافة إلى الموافقة على «إعلان ريو» في «قمة الأرض» في ريو دي جانيرو بتاريخ 14/06/1992، وهو وقَّع على الميثاق العربي لحقوق الإنسان في قمة 2004، كما وكان قد انضم لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بتاريخ 2009/04/22. وقد وقَّع أيضاً على الوثيقة الختاميَّة لمؤتمر ريو بتاريخ 22/06/2012 تحت عنوان «المستقبل الذي نصبو إليه».

يثار التساؤل حول مدى إلزاميَّة الانضمام أو التوقيع على وثيقة معيَّنة من قبل الدولة، الواقع أنَّه قبل التعديل الدستوري لعام 1990 لم يكن هنالك ما يُلزم الدولة قانوناً بما انضمت إليه من إعلانات، بل كانت هذه الإعلانات من دون أي قيمة دستوريَّة أو قانونيَّة مُلزمة وتقتصر على كونها مبادئ عامَّة إرشاديَّة فقط، لا يترتب على عدم التزام المشرِّع بها أي أثر قانوني. أمَّا في ما يخص المعاهدات، ففي العام 1983 جاء تعديل المادة الثانية من قانون أصول المحاكمات المدنيَّة اللبناني لتصبح على الشكل التالي «على المحاكم أن تتقيَّد بمبدأ تسلسل القواعد. عند تعارض أحكام المعاهدات الدولية مع أحكام القانون العادي، تتقدم في مجال التطبيق الأولى على الثانية. لا يجوز للمحاكم أن تعلن بطلان أعمال السلطة الاشتراعية لعدم انطباق القوانين العادية على الدستور أو المعاهدات الدولية»، فيتبيَّنُ لنا أنَّ هذه المادة قد أقرَّت قاعدة تدرج القوانين وقدَّمت المعاهدات الدوليَّة على القانون الوطني مما يعطي الأولويَّة لتطبيق أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة على القانون اللبناني، إلَّا أنَّه إذا أردنا إعمال المادة 19 من هذا العهد في ما يتعلَّق بالحق في الوصول للمعلومات لما كان ذلك ممكناً لعدم وجود آليَّة قانونيَّة لطلب المعلومات من السلطات العامَّة في ذلك الوقت. وبالعودة للإعلانات التي انضمت إليها الدولة اللبنانيَّة، فإنَّه مع التعديل الدستوري في العام 1990 تمت إضافة مقدمة للدستور اللبناني جاء في الفقرة – ب – منها ما يلي « لبنان عربي الهوية والانتماء وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها، كما هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق النسان وتجسد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقوق والمجالات دون استثناء». اختلف الفقه الدستوري حول مدى إلزاميَّة مقدمة الدستور، فمنهم من قال بإلزاميتها ومنهم من قال بأنَّها مجرَّد مقدِّمة ذات مبادئ عامَّة إرشادية للمشرِّع. إلَّا أن المجلس الدستوري كان قد حسَم هذا الخلاف عندما تم الطعن أمامه بقانون «تمديد ولاية المجالس البلديَّة واللجان القائمة بأعمال المجالس البلدية»، وكان المجلس الدستوري قد أبطل هذا القانون مستندًا في جزء من حكمه في الأساس على الفقرة – ج – من مقدِّمة الدستور بعد أن كان قد نصَّ صراحةً على أنَّهُ «وبما أنَّ المبادئ الواردة في مقدِّمة الدستور تعتبر جزءًا لا يتجزأ منه وتتمتع بقيمة دستوريَّة شأنها في ذلك شأن أحكام الدستور نفسها»، وبالتالي فإنَّ أحكام مقدِّمة الدستور لها قيمة دستوريَّة وما يستتبع ذلك من نتائج بالتزام المشرِّع في حدود صلاحيَّاته التشريعيَّة بهذه المبادئ ذات القيمة الدستوريَّة وفي حالتنا هذه الالتزام بما جاء في الفقرة – ب – من المقدمة التي تُلزمه بمواثيق جامعة الدول العربيَّة ومنظمة الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تحت وطأة الإبطال لعدم الدستوريَّة. فإنَّه وبحسب ما تقدَّم، يقع على عاتق الدولة اللبنانيَّة التزامات دوليَّة متعددة تتمتع بالقيمة الدستوريَّة، من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة، لاتفاقيَّة مكافحة الفساد والميثاق العربي لحقوق الإنسان، فالحق في الوصول للمعلومات محمي في إطار هذه الالتزامات الواقعة على عاتق الدولة اللبنانيَّة، وبالتالي فإنَّ تنظيم هذا الحق في لبنان من قبل المشرَّع يجب ألَّا يتعارض مع ما سبق من الإعلانات والمواثيق الدوليَّة الملتزم فيها لبنان.

Posted on يوليو 9, 2018 in مشروع r.a.i.l.

Share the Story

About the Author

Back to Top
Facebook
Twitter
Instagram